ضياء الدين نصر الله بن محمد ابن الأثير الجزري الموصلي ( ابن الأثير الموصلي )

352

المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر

فلو كنت ذا حزم شددت وكاءه * كما شدّ جربان الدّلاص قيون قال : فو اللّه ما مضى إلا أيام حتى بلغ جريرا الخبر ، فقال فيه هذين البيتين ، وهذا من أغرب ما يكون في مثل هذا الموضع وأعجبه . ويقال : إن الفرزدق وجريرا كانا ينطقان في بعض الأحوال عن ضمير واحد . وهذا عندي مستبعد ؛ فإن ظاهر الأمر يدلّ على خلافه ، والباطن لا يعلمه إلا اللّه تعالى . وإلا فإذا رأينا شاعرا متقدم الزمان قد قال قولا ثم سمعناه من شاعر أتى من بعده علمنا بشهادة الحال أنه أخذه منه ، وهب أن الخواطر تتفق في استخراج المعاني الظاهرة ، المتداولة ؛ فكيف تتفق الألسنة أيضا في صوغها الألفاظ ؟ . ومما كنت أستحسنه من شعر أبي نواس قوله من قصيدته التي أولها : دع عنك لومي فإنّ اللّوم إغراء دارت على فتية ذلّ الزّمان لهم * فما يصيبهم إلّا بما شاءوا وهذا من عالي الشعر ، ثم وقفت في كتاب الأغاني لأبي الفرج على هذا البيت في أصوات معبد ، وهو : لهفي على فتية ذلّ الزّمان لهم * فما أصابهم إلّا بما شاءوا وما أعلم كيف هذا . الضرب الثاني من النسخ : وهو الذي يؤخذ فيه المعنى وأكثر اللفظ ، كقول بعض المتقدمين يمدح معبدا صاحب الغناء : أجاد طويس والسّريجيّ بعده * وما قصبات السّبق إلّا لمعبد ثم قال أبو تمام : محاسن أصناف المغنّين جمّة * وما قصبات السّبق إلا لمعبد